العدد الثاني | عام الفيل

عام الفيل

كانت البشرية على موعد عظيم غيَّر وجه التاريخ ووجه العالم كله، عام برز فيه النور المحمدي إلى هذا الكون فأضاء ظلماته؛ إنه عام الفيل (الموافق 571 بعد الميلاد).

عام الفيل

عام سمي نسبة إلى الحادثة التي وقعت فيه، عندما حاول أبرهة الحبشي ( ويسمى أبرهة بن الأشرم) هدم الكعبة في مكة المكرمة بجيش عرمرم من الحبشة.

فقد كانت البشرية على موعد عظيم غير وجه التاريخ ووجه العالم كله، موعد تمثل بيوم عظيم هو من أعظم أيام الدنيا؛ اليوم الذي برز فيه النور المحمدي إلى هذا الكون فأضاء ظلماته.

اقرأ أيضًا: ولادة النور المحمدي

والأحداث العظام يُمَهَّدُ لها عادة بأحداث عظيمة أيضا لتبرزها وتجليها، وكانت هناك أحداث عظيمة مهدت لبروز هذا النبي وحضور هذا الرسول الكريم وتشريفه للأكوان كلها علويها وسفليها، فما من عالم علوي ولا سفلي إلا وقد تشرف برسول الله صلى الله عليه وسلم، والإرهاصات والتي أعني بها الأحداث التي سبقت مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، وسأقف مع واحدة منها والتي كانت تشعر بحدوث أمر واقتراب أمر عظيم، وهي حادثة الفيل.

حادثة الفيل

حادثة الفيل: وإن للبيت رب يحميه

ذكرت كُتب السيرة أن أبرهة الحبشي كان نائباً للنجاشي على اليمن، فرأى العرب يحجون إلى الكعبة ويعظمونها، فلم يرق له ذلك، وأراد أن يصرف الناس عنها،فبني كنيسة كبيرة بصنعاء ليحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، فلما سمع بذلك رجل من بني كنانة دخل الكنيسة ليلاً، فبال وتغوط فيها، فلما علم أبرهة بذلك سأل عن الفاعل، فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، فغضب أبرهة وحلف أن يذهب إلى مكة ليهدمها، فجهَّز جيشاً كبيرا، وأنطلق قاصداً البيت العتيق يريد هدمه، وكان من جملة دوابهم التي يركبون عليها الفيل- الذي لا تعرفه العرب بأرضها- فأصاب العرب خوفٌ شديد،ٌ ولم يجد أبرهة في طريقه إلا مقاومة يسيرة من بعض القبائل العربية التي تعظم البيت، أما أهل مكة فقد تحصنوا في الجبال ولم يقاوموه.

وجاء عبد المطلب يطلب إبلاً له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة: كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رب يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني، قال عبد المطلب: أنت وذاك، وأنشد يقول:

لاهُمّ إن العبدَ يمنع رَحْله

فــــــأمْــــــنَــــــعْ حِــــــلالَكْ

لا يَغْلِبَنّ صليبُهم ومحالهم

عَـــــــــدْواً مـــــــــحــــــــالك

إن كـنـت تـاركّهـم وقبْلتنا

فـــــأمْـــــرٌ مــــا بــــدا لك

وعن ابن شهاب قال: “أول ما ذكر من عبد المطلب أن قريشا خرجت فارة من الحرم خوفا من أصحاب الفيل، وعبد المطلب يومئذ غلام شاب، فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبغي العز في غيره، فجلس في البيت وأجلت قريش عنه فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره وتعظيمه محارم الله عز وجل”.

حتى إذا بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم العربي الهاشمي لم يستغرب أحد ذلك فهو حفيد عبد المطلب سيد قريش الذي برزت سيادته وعرف عنه ما عرف من تعظيم لشعائر الله، وهو الذي برز له الشرف الديني من خلال تعظيمه لبيت الله وحفره لزمزم كما جاءه في رؤياه.

وحتى لا ينكر أحد من غير العرب عليه أنه ليس منهم لما برز من عظيم مكانة العرب يوم الفيل بحماية الله لهم ولبيتهم من كل جبار عنيد، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: “وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوِّهُمْ” [تفسير القرطبي].

وأما قريش ففروا من أرض الحرم إلى رؤوس الجبال، يحتمون بها، ويترقبون ما الذي سيحل بأبرهة وقومه.

 

الطيور الأبابيل تدمر جيش أبرهة الحبشي

فلما أصبح أبرهة عبأ جيشه، وهيأَ فيله لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر-بين مزدلفة ومنى- برك الفيل، وامتنع عن التقدم نحو مكة، وكانوا إذا وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق انقاد لذلك، وإذا وجهوه للكعبة برك وامتنع، وبينما هم على هذه الحال، إذ أرسل الله عليهم طيراً أبابيل -ومعنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً- مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، لا تصيب منهم أحداً إلا تقطعت أعضاؤه وهلك.

أما أبرهة فقد أصابه الله بداء، تساقطت بسببه أنامله، فلم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل فرخ الحمام، وانصدع صدره عن قلبه فهلك شر هلكة. وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول}.

وقد حدثت هذه الواقعة في شهر المحرم من عام الفيل قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين يوما تقريبا، وهو يوافق فبراير سنة 571م.

ووقعت في ظروف ساعدت على وصول خبرها إلى معظم أرجاء المعمورة المتحضرة في ذلك الزمن، فالحبشة كانت ذات صلة قوية بالرومان، والفرس لهم بالمرصاد يترقبون ما ينزل بهم وبحلفائهم، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الزمان. فلفتت هذه الواقعة أنظار العالم إلى شرف هذا البيت ومكانته، وأنه هو البيت الذي اصطفاه الله تعالى واختاره.

 

العبر المستفادة

ويستفاد من هذه الحادثة عدد من العبر والفوائد:

  • أولها بيان شرف الكعبة، وأن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظها ورعايتها من غطرسة وتجبر أبرهة وقومه.
  • ويستفاد أيضا أن الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر دائم لا ينقطع.
  • وهذه الحادثة تعتبر آية ظاهرة ودلالة واضحة من دلائل النبوة، فكانت هذه الحادثة من باب التمهيد لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما أنه ولد صلى الله عليه وسلم في نفس العام (عام الفيل).
  • وفي هذه الحادثة عبرة لكل طاغية متكبر متجبر في كل العصور والأزمان، لذا جاء فعل تَرَ في قوله (ألم تَرَ) بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والتجدد، فكل من طغى وتجبّر، سيكون عقابه ومصيره كمصير أبرهة وجيشه.
  • إن قصة الفيل وإن كانت حادثة عظيمة، وشأناً كبيراً، إلا أنها رمز واضح على نصرة الله تعالى لدينه ولبيته.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *