ومن كل شيء خلقنا زوجين

ومن كل شيء خلقنا زوجين

سنتناول في هذا المقال الرد على الشبهات حول الآية الكريمة: “ومن كل شيء خلقنا زوجين”.

ومن كل شيء خلقنا زوجين

أولًا: مفهوم الزوجين فى القرآن

هل حقًا أن القرآن يُقرّ بأن جميع المخلوقات من ذكر و أنثى؟

الإجابة بالطبع: لا… ومن أجل الإيضاح نقف مع أقوال المفسرين فى بيان معنى الآية الكريمة وذلك على النحو التالي:

  • البيان الإجمالى للآية:
    ويمثلة تفسير الإمام ابن كثير (“ومن كل شيء خلقنا زوجين” أَيْ جَمِيع الْمَخْلُوقَات أَزْوَاج سَمَاء وَأَرْض وَلَيْل وَنَهَار وَشَمْس وَقَمَر وَبَرّ وَبَحْر وَضِيَاء وَظَلَام وَإِيمَان وَكُفْر وَمَوْت وَحَيَاة وَشَقَاء وَسَعَادَة وَجَنَّة وَنَار حَتَّى الْحَيَوَانَات وَالنَّبَاتَات وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى “لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” أَيْ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْخَالِق وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ).

في تفسير ابن كثير يوضح أن الله خلق جميع الأشياء (العاقل و غير العاقل) أزواجًا، و ضرب لنا أمثلة كثيرة مثل الليل والنهار والأرض والسماء …..إلخ.

وجاء في صفوة التفاسير ما نصه: ….”ومن كل شيء خلقنا زوجين” أي ومن كل شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكرًا وأنثى، حلواً وحامضاً ونحو ذلك “لعلكم تذكرون” أي كي تتذكروا عظمة الله فتؤمنوا به وتعلموا أن خالق الأزواج واحد أحد.

  • البيان اللغوي لمفردات الآية:
    بتَدبُّر الألفاظ القرآنية الواردة في الآية الكريمة نقف على الكلمات التي تعتبر مفاتيح أساسية لفهمها، وأولها كلمة {كل شىء} تكشف عن عموم الزوجية في كل شيء، فتشمل الكائن الحي والجماد معاً والدليل على ذلك أن كلمة (شَيْءٍ) تطلق على العاقل وغير العاقل؛ وبالتالي فليس من المعقول أن تُنفى الذكورية والأنوثة عن الجماد. ولو كانت الآية: (ومن كل حي خلقنا زوجين) لاختلف المعنى.
    أما فيما يخص كلمة {زوجين} فهي كل واحد معه آخر من جنسه، فهو واحد من اثنين له شريك ولا تطلق على فرد واحد أبدًا بل على شيء له قرين فقد جاء في “المفردات في غريب القرآن”(4): “يُقَالُ لِكلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى في الحَيَوَانَاتِ المُتَزَاوِجَةِ: زَوْجٌ. وَلِكُلِّ قَرِينَيْنِ فِيهَا وفي غَيْرِهَا: زَوْجٌ؛ كالخُفِّ وَالنّعْلِ. وَلِكُلِّ مَا يَقْتَرِنُ بِآخَرَ مُمَاثِل لهُ أَوْ مُضَادٌّ: زَوْجٌ”.
    كذلك فإن كلمة {زَوْجَيْنِ} نكرة، وهي تدل على وجود زوجين بدون تحديد نوع الزوجية.

كذلك هناك فرق بين الكلمتين (زَوْجَيْنِ) و(الزَّوْجَيْنِ)؛ فقد ذكرت كلمة (زوجين) في القرآن كله أربع مرات فقط ولم تقترن أبداً بالذكر والأنثى، كما ذكرت كلمة (الزوجين) مرتين فقط ودائماً كانت مقترنة بالذكر والأنثى في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} [النجم:45]. وقوله كذلك: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} [القيامة:39]. ومعنى ذلك أنه عند تعريف (الزوجين) بالألف واللام يجب أن تكون متبوعة بنوع الزوجية المقصودة؛ لأن هناك أكثر من نوع من الزوجية، والدليل على ذلك قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس:36]. وكلمة (الأزواج) جمع، وتحدد الآية وجودها في أنفسنا، وفيما تنبت الأرض، وفيما لا نعلم.
أما الأولى والثانية فنعلم ويعلم السابقون وقت نزول القرآن عن زوجية الذكر والأنثى، ولكن ما هي الأزواج الأخرى التي لم يكن يعلمها السابقون، وعلمناها نحن بفضل التقنيات العلمية الحديثة؟ سنقوم بتوضيحه لاحقًا…

مما سبق نستنتج أن كلمة (زوجين) تطلق على:

  • القرينين كالذكر و الأنثى فى الحيوانات المتزاوجة.
  • الضدين كالليل و النهار و الخير و الشر ….إلخ.
  • المثيلين و المتشابهين كالعينين و الرئتين…..الخ.

ثانيًا: الزوجية فى التكاثر الجنسي والتكاثر اللاجنسي وفي الشكل النهائي للكائن الحي

أما أول إجابة:
ففي الكائنات التى تتكاثر لاجنسيًا مثل الأميبا تقوم بالانقسام الميتوزي فينتج فرد جديد مطابق تمامًا للأم و بالتالي فإن الأميبا الأم والأميبا الابن زوجين بالتماثل.
أما الإجابة الثانية:
فالتكاثر الجنسي كما هو معروف إنتاج الكائن الحي لأفراد جديدة من نوعه عن طريق فردين (ذكر و أنثى) أو فرد واحد (خنثى)، يحمل أعضاء التذكير والتأنيث معًا.
وذلك باتحاد خلية ذكرية (الحيوان المنوي) مع خلية أنثوية (البويضة) كل منهما فيه نصف عدد الصبغيات أو الكروموسومات الموجودة في خلية الذكر أو الأنثى وينتج عن اندامجهما خلية ملقحة تسمى (الزيجوت) وبها العدد الكامل من الصبغات للكائن الحي.
هذه البويضة الملقحة (الزيجوت) تعتبر مثل الكائنات وحيدة الخلية ولكنها تختلف عنها بأنها تقوم بعدة انقسامات ميتوزية لتكوين جميع خلايا الكائن الحي وليس انقسام واحد كما فى الكائن وحيد الخلية. فهذه الخلية الملقحة تبدأ بالانقسام إلى خليتين ثم إلى أربع ثم إلى ثمانية… وهكذا إلى أن يتم إنتاج جميع خلايا الكائن الحي.
أما التكاثر اللاجنسي فهو إنتاج الكائن الحي لفرد جديد عن طريق فرد أبوي واحد فقط وله عدة أنواع منها الانقسام الثنائي كما في الاميبا، و التبرعم كما فى فطر الخمير، وبعض النباتات التكاثر بالدرنات والترقيد…..إلخ ومردود كل ذلك إلى الانقسام الخلوي الميتوزي أيضًا كما في التكاثر الجنسي.

الأميبا كمثال كيف تنقسم لإنتاج الفرد الجديد:

الطور التمهيدي: تبدأ الكروموسومات فى التكوين وتكون على شكل خيوط طويلة ورفيعة و يظهر كل كروموسوم مكون من جزئين ويدعى كل جزء كروماتيدة ويرتبط الكروماتيدان مع بعضهما في نقطة تسمى بالسنترومير، ويلتفان حول بعضهما البعض.
الطور الاستوائي: يتميز بتموضع واصطفاف الكروموسومات في المستوى الاستوائي للخلية مشكلة الصفيحة الاستوائية.
الطور الانفصالي: ينفصل السنترومير في هذا الدور، ويبتعد الكروماتيدان في كل كروموسوم عن بعضهما، ويتجه كل كروماتيد نحو القطبين. وبذلك يصبح عند كل قطب من قطبي الخلية مجموعتان متشابهتان من الكروموتيدات، والتي يمكن تسميتها الآن بالكروموسومات.
الطور النهائي: تفقد صبغيات كل مجموعة فرديتها مشكلة صبغين لنواة جديدة، ويختفي مغزل الانقسام ويتكون غشاء خلوي (الغشاء الهيكلي) في وسط الخلية الأم حيث يقسمها إلى خليتين بنتين متماثلتين وراثيا ومماثلتين للخلية الأم ثم يتم تكوين الحيوان وحيد الخلية.
يستنتج من كل ذلك ما يلي:
1- طرق التكاثر فى الكائنات الحية زوجية ( جنسي ولاجنسي).
2- الشكل النهائي للكائن الحي فى التكاثر الجنسي زوجين بالاقتران ذكر أو أنثى.
3- الشكل النهائي للكائن الحي فى التكاثر اللاجنسي زوجين بالتماثل و التطابق (أميبا أم و أميبا أبن).
4-جميع الكائنات الحية لا بد أن تخلق من خلية بها عدد زوجي من الكروموسومات سواء فى التكاثر الجنسي أو اللاجنسي.
5 – كل كروموسوم لابد أن يكون زوجين من الكروماتيد ومتحدين.
6 – الكروماتيد الواحد يحمل فى طياته عشرات الالف من الجينات وكل جين بدورة يتألف من سلسلة من النيوكليوتيدات وتطلق عليها اسم الأليل هذا الأليل يتحد مع اليل آخر في الكروماتيد المقابل إذًا كل جين يتكون في حقيقة الأمر من أليلين.
7- مادة الكروماتين تنقسم إلى زوجين كروماتين حقيقي و كروماتين مغاير.
8- حتى الاستنساخ فيه الزوجية لأنه هو إنتاج نسخة من الكائن الحي عن طريق مضاعفة الخلايا اعتماداً على تقنية الانقسام الميتوزة لخلايا الجنين الأصلية.

اقرأ أيضًا: شبهات وردود على البعث والحساب

ثالثًا: قاعدة الزوج أو قاعدة الاقتران

لناخذ مثالًا على الذرة أصغر جزء من العنصر الكيميائي فيتضح مفهوم الزوجية في تركيب نواتها التى تحمل شحنة موجبة والكتروناتها التي تحمل شحنة سالبة.
أما الجزيء فهو أصغر جسم من المادة الكيميائية النقية وهو يتكون من ذرتين أو أكثر مرتبطة معًا.
وأما النوكليوتيد فهي الجزيئات المتحدة معًا لتكوين الوحدة الأساسية لبناء الحامض النووى DNA و RNA.

ومن هنا يمكن تعريف قاعدة الزوج هذه:
قاعدة الزوج أو الاقتران: هي كل نوكليوتيدتين متقابلتين فى سلسلتي DNA و RNA مرتبطين ببعض عن طريق روابط هيدروجنية .
معنى ذلك أن ينبني كل جزيء من جزيئات الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجينDNA على هيئة سلم حبلي مفتول ـ أو مايعرف باسم اللولب المزدوج ـ تتضح فيه الزوجية في جانبيه المصنوعين من جزيئات سكر الريبوز المنقوص الأوكسيجين، وجزيئات من الفوسفات، كما تتضح الزوجية في درجات هذا السلم الحبلي المفتول، والتي تتكون كل درجة من درجاته من زوج من قواعد نيتروجينية أربع هي: الأدينين (Adenine=A), والثيامين (Thyamine=T), والجوانين (Guanine=G), والسيتوسين (Cytosine=c).
على أن يرتبط الأولان في زوجية واضحة معاً، وأن يرتبط الأخيران كذلك معاً ومعاً فقط في زوجية واضحة كذلك، ليشكل كل زوج منهما درجة من سلميات جزيء الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجين (DNA) على شكل نويدتين تتكون كلٌ منهما من قاعدة نيتروجينية مستندة إلى زوج من السكر والفوسفات تأكيداً على الزوجية في الخلق من أدق الدقائق إلى أكبر الوحدات.
وكل ما سبق يطلق عليه فى البيولوجيا الجزئية قاعدة الزوج Base pair أو قاعدة الاقتران base pairing كما سماها العالم Watson-Crick.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *